و يبقى الأمل ..

الجزء الثاني
بقلم : - JO الأردن - 29 يناير 2017 - على الغصن : أدب وفن
مجموع القراءات : 200 قراءة - عدد التعليقات : 0 تعليق
قصة قصيرة بعنوان : "و يبقى الأمل" الجزء الثاني .

بعدَ خمسةِ عشرَ عامًا، كبُرَ الطِّفْلُ الذي سمّاهُ جدَّهُ بالثائرِ على الاحتلالِ ، المنتصِرُ إمَّا بالشَّهادةِ أو ببلدِه، كبُرَ و كبُرَ الحجرُ الذي يمسِكهُ أمامَ المدفعيّات ويلقيهِ بيدٍ قويَّةٍ بقوَّةِ الحقِّ المنتصِر، كبُرَ و كبُر حلمُهُ ببلدٍ آمنة، كبُرَ دونَ أخيهِ الذي عاشرَهُ ولعبَ معَهُ في ماضيْهِ .
بدأ ثائر طريقَهُ الذي لا نهاية له مع صديقِ طفولتِه : عُمَر ،فقد صنعا انتفاضةً بحجارةٍ متفككةٍ ضد مدفعيّاتٍ ضخمةٍ مع أطفالِ الحيِّ وشبابِهِ . كانت لهم اجتماعات في بيتٍ مهجورٍ يتناقشون فيها ويطمئنّونَ على أخبارِ بعضِهم البعض، ويتَّفقونَ حولَ وقتِ الخروجِ و صدِّ العدوِّ حتى لو كان بحجرٍ أو حجرَيْن .
وفي اجتماعٍ تأخَّرَ عمَر عن موعِدِه كان الحوارُ التالي:
- ثائر : أين عمَر ؟ فليْس من عادتِهِ أن يتأخَّرَ .
- محمود : قد يكون في الطَّريق، سأذهب و ألقي نظرةً .
و إذ بأصوات الأسلحة تصنعُ ضجَّةًفي أنحاءِ قريتِهم، خرج ثائر مسرعًا متوجِّهًا نحوَ مصدرِ الصوتِ، ليجدَ بين الدّخانِ والضبابِ الرّماديِّ الكثيفِ، لونًا أحمرًا يصبغُ الأرضَ من تحتِهِ، رفع الجريح و هو يرْتجِف ليرى وجهًا ليس بالغَريبِ، نعم، هو مألوفٌ بالنسبةِ لثائر، لكنَّهُ لم يصدِّقْ ما قالتْهُ عيناه لأنَّهُ لم يرِدْ توديعَ توأمِ روحِهِ منذ الصِّغَرِ : عُمَر .
انتهتْ تلك الأصوات، هدأتْ الأوضاعُ بالقريةِ، فبدأ ثائر بجمعِ شتاتِ مجموعتِهِ ليجِدَها أقلَّ من الثلثِ، فمعْظَمُهم أُسِرُوا و الباقينَ استشهدُوا، أما الأحياء منهم، فقد كانت علاماتُ اليأسِ والحزنِ تشملُ جميعَ تعابيرِ وجوههم . وفي تلك الصَّدمةُ وذلك الصَّمت، كلامُ محمَّد بدأ يخطرُ في بالِ ثائر حرفًا حرفًا وبكلِّ دقَّة، مع أنّهُ قد مرَّ وقتٌ طويلٌ على تلك المحادثة : (أي بنيّ، إنَّ أمَّكَ و أبكَ و أخاكَ و جدتكَ، جميعُهم استشهدُوا فداءَ التراب الذي تمشي عليهِ وتداعبُ حبَّاتَهُ بين أناملكَ، أي بنيّ، إنّي لا أدري كيف ومتى تكونُ نهايتي، لكنِّي أوقنُ أهميَّة الموت فداء الوطن وأتمنَّاهُ، أي بنيّ، إنّك ميّتٌ لا محالة، فمُتْ من أجلِ فلسطين، فالموتُ من أجلِها يصبحُ جميلًا سهلًا ليِّنًا ) . تذكَّرَ قولَ جدِّهِ ليخرجَ مسرعًا يطمئنُّ على حالِهِ في بيتِه البعيد الذي يقعُ في قريةٍ مجاورةٍ، خرجَ يحملُ مشاعرَ الخوفِ والقلقِ ممّا سيرى و التفاؤلِ والأمل في رحمةِ الله . وصلَ لتلكَ القرية ليجدَ ذلكَ الضّباب نفسه، فعلمَ بمرورِ ذلكَ القطيع من قريةِ جدِّهِ، شعرَ بداخلِهِ أنّ جدَّهُ قد ودَّعَ الحياة، لكنَّهُ تابعَ مسيرَهُ آملًا و راجيًا نجْواه . تبعثرتْ تلك الحروف المكوّنة لكلمةِ الأملِ لتصبحَ تلقائيًّا الألمَ بعيْنِهِ، عندما رأى ثائرُ محمّدًا ملقًى بين أحضانِ مسجد القريةِ الصغيرِ، فلم يكنْ بيدِهِ سوى إغلاق عينيه و الدُّعاء لهُ عندَ شروقِ الشَّمسِ و غروبِها .

(مرَّ على استشهادِكَ يا جدِّي خمسُ سنوات، لكنِّي لا أزال أحبُّكَ نفس الحبِّ الذي لطالما خبَّأتُهُ لك في قلبِي، و لا أزالُ أذكرُ كلماتِكَ وحروفَها، و كذلكَ فإنِّي لا أزالُ الثائر على الاحتلالِ الذي أصبَحَ الآن من قادةِ الثوَّارِ ضدَّهم الذين يزعزعونَ كيانَهم، أمَّا بالنِّسبَةِ لحياتِي، فقد تزوَّجْتُ و أصبحَ لديَّ طفلَيْن : محمَّد و فلسطين . هذا ما لديَّ لأخبرَكَ بهِ ، فَلْترْقُدْ بسلامٍ و راحةٍ ياجدِّي ) . هي كلماتٌ قالَها والدموع تذرفُ من عينيهِ، حاملًا ورودًا وغصنَ زيتونٍ بجانبِ قبرِ جدِّهِ، وكأنَّه يخبرُهُ بزيارةٍ قريبةٍ .
استيقظَ في اليومِ التالي، اليومُ الوحيدُ الذي يتناولُ فطورَهُ مع عائلتِهِ فيه، فباقي أيامِ الأسبوعِ يكون مشغولًا بالتنظيمِ مع القادةِ الآخرين والتناقشِ معهم حول كيفيَّةِ سيْرِ الأمورِ. خرجَ مصطحِبًا فلسطين إلى المخبزِ ليحضرَ أرغفةً ساخنةً لفطورِهِ الذي تعدُّهُ زوجُهُ. وهو في طريقِ العودةِ، بينما يداعبُ فتاتَهُ التي تتناقلُ خطواتِها الصغيرةَ تارةً و يحملُها تارةً أخرى، كانت عائلتَهُ قد تناولتْ فطورَها في الجنَّةِ .

رفعَ رأسَهُ نحوَ بيتِهِ، ليراهُ كالطَّريق بل كالشَّارع يمرُّ منهُ من يشاءُ، أدرَكَ حينها برحيلِ عائلتِهِ التي كانت تبتسمُ قبلَ لحظات، لم يخْطرْ في بالِهِ شَيْئًا سوى إنقاذُ فلَسْطين التي سمَّاها باسمِ بلدِهِ و عاهدَ نفسَهُ على حمايتِها . لم يكنْ الوقتُ كافٍ للتَّفكيرِ،فرصاصُ الظالمِ لا ترحمُ ولا تنتظرُ. سقطَ حاضنًا فلسطين و حاميها من طَيْشِ الطَّلّقات .
كانَ هدفهم الأول هو قتل ثائر، فعندما أُصيبَ، ذهبُوا ليبشِّرُوا قائدَهُم بإنجازِهم، دونَ الالتفاتِ إلى فلسطين الواقعة بين أحضانِ و دماءِ أبيها .

تحوَّلتْ أوراقُ الحنّون التي تعرفنا عليها من البداية إلى دماءٍ تلوّنُ الأرضَ بفوضويّةٍ ملاحظَة، أما أشعةُ الشَّمسِ التي كانت تزيدُ من احمرارِها و تهديها الأملَ والتفاؤلَ، فلم تعدْ قادرة على بعث الأملِ كالسَّابق،
بدأ ثائر بالبحثِ عن أي مصدرٍ يبثَّهُ بالأملِ، بدأ ينبّشُ بعينَيْهِ هنا وهناك، لم يجدْ، لم يجدْ سوى فلسطين، تحاولُ مناداتهُ للَّعِبِ معها، بابتسامةٍ صغيرةٍ مشرقةٍ بريئةٍ، وكأنَّها تقول : ويبقى الأملُ .

0
No votes yet

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.